فوزي آل سيف
76
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
أمير المؤمنين عليه السلام، بل لقد أقسم بعض الصحابة الذين رأوا تصرف قائد الحملة العسكرية على قوم مالك بن نويرة أن لا يكونوا في جيش يكون أميره خالد بن الوليد.[204] أما قضية المعركة مع مسيلمة الكذاب فهي معركة واضحة المعالم ففيها هناك ادعاء كاذب وواضح للنبوة من قبل مسيلمة وكانت تهدد بنحو من الأنحاء الوجود الإسلامي فالمسلمون جميعا مخاطبين للحفاظ على الكيان الإسلامي فشارك فيها عمار فقال بعضهم: رأيت عمار يقاتل وينادي بالناس وقد قطعت إحدى أذنيه في تلك المعركة. فالرجل لم يمنعه الموقف المبدئي تجاه الخليفة الأول وهو موقف وقفه أمير المؤمنين عليه السلام. كما أن عمارًا عُيّن من قبل الخليفة الثاني واليًا على الكوفة وقد يثير هذا التعيين وذاك التفاعل في زمان الخليفة الأول أسئلة حول الموقف الحقيقي لعمار وأضرابه من المخلصين للإمام عليٍّ عليه السلام، في تفسير هذه الخطوات من الطرفين؛ تعيين الخليفة لمثل عمار، وسلمان، وقبول هؤلاء هذا التعيين والتجاوب معه. وقد سبق أن أشرنا إلى جانبٍ من الجواب عند الحديث عن سلمان الفارسي، ونكمل الحديث هنا، فنقول: يفسر بعض الباحثين هذه الخطوة من الخليفة وقبول أصحاب علي بها، بأن الخليفة الثاني وهو يستعرض أسماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، رأى أن أكثر الناس أمانة وتديّنًا وكفاءة هم أولئك الذين كانوا في ركاب عليٍّ عليه السلام، فهم الذين كانوا أكثر تضحية ابتداءً من أيام البعثة ومرورًا بسنوات الهجرة والمعارك، وهؤلاء ضحوا وعملوا في سبيل الله ولم ينتظروا جزاءً ولا شكورًا فمبدأهم الأمانة والإخلاص، لذلك قام بتوليتهم باعتبار أنهم الأفضل ويستشهدون بقول الخليفة نفسه[205]: إنما وليت عماراً لتحقق قول الله عز وجل فيه (وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ)[206] وهذا الرأي يتوافق مع التاريخ الرسمي والنظرة الإيجابية لعمل الخلفاء وغالبًا ما يتبنى هذا الرأي اتباع مدرسة الخلفاء. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بما كتبه الخليفة لأهل الكوفة كما ورد: "قُرِئَ عَلَينا كِتابُ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ: أمّا بَعدُ فَإنِّي بَعَثتُ إلَيكُم عَمّارَ بنَ ياسِرٍ أمِيرًا وابنَ مَسعُودٍ مُعَلِّمًا ووَزِيرًا. وقَد جَعَلتُ ابنَ مَسعُودٍ عَلى بَيتِ مالِكُم. وإنَّهُما لَمِنَ النُّجَباءِ مِن أصحاب مُحَمَّدٍ مِن أهلِ بَدرٍ. فاسمَعُوا لَهُما وأطِيعُوا واقتَدُوا بِهِما. وقَد آثَرتُكُم بِابنِ أُمِّ عَبدٍ (ابن مسعود) عَلى نَفسِي وبَعَثتُ عُثمانَ بنَ حُنَيفٍ عَلى السَّوادِ".[207] ويذهب آخرون إلى رأيٍ آخر هو: أن الخليفة عمل موازنة سياسية؛ فلم يكن يريد أن يعيّن الولاة والموظفين العامين من طيف واحد بل من أطياف مختلفة وتوجهات متباينة فأعطى بني أمية الشام وأعطى بعض أتباع أمير المؤمنين عليه السلام مثل سلمان الفارسي المدائن وعمار الكوفة وما شابه ذلك، فالقضية تأتي في نظر هؤلاء ضمن إرادة سياسية فإن أي خليفة وحاكم عندما يريد أن ينجح في إدارته وحكمه يعين من كل الاتجاهات.
--> 204 ) ذكر ذلك عن أبي قتادة الأنصاري وهو من كبار صحابة النبي كما في مصنف عبد الرزاق الصنعاني ١٠/١٧٤قال بعد أن ذكر قصة خالد مع زوجة مالك بن نويرة، " فَكانَ أبُو قَتادَةَ يَحْلِفُ لا يَغْزُو مَعَ خالِدٍ أبَدًا" 205 ) البلاذري: أنساب الأشراف ١/١٦٣ 206 ) سورة القصص، الآية5 207 ) ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/ 193